نموذج تحليلي للجنس القصصي/ دم ودخان مبارك ربيع

نموذج تحليلي للجنس القصصي/ دم ودخان مبارك ربيع

مرحلة التقديم:
شهد العالم العربي حديثا تحولات اجتماعية سريعة وكان من الطبيعي أن يطرح الكتاب سؤالا فحواه مدى قدرة الأشكال النثرية القديمة من رسائل وحكايات وأمثال وخطابة ورحلات ومقامات على التعبير عن قضايا معاصرة. وبفعل مد جسور التواصل الفكري والثقافي بين الشرق والغرب وبفعل وعي الطبقة البورجوازية المتوسطة والصغيرة واتساع دائرة المدينة واشتداد الصراع الطبقي الذي مثلته الهيئات السياسية وانتشار التعليم والصحافة برزت أشكال نثرية لها جذور تراثية و في نفس الآن منفتحة على أشكال نثرية غربية. ومن هذه الأشكال المقالة المسرحية و القصة. وتعد هذه الأخيرة فن العصر الحديث بدون منازع رغم نضجها الفني المتأخر ولقد حظيت بأهمية خاصة لدى القراء والنقاد كما حظيت الرواية في الغرب والشرق. وممن ساهم في هذا الجنس السردي في العالم العربي نذكر يحيى حقي ،محمود تيمور،إدريس الصغير، إدريس الخوري، ،محمد عز الدين التازي، الميلودي شغموم وأحمد زفزاف..... وانصبت الإبداعات القصصية على قضايا متنوعة سياسية ،اجتماعية ،فكرية ونفسية باستغلال ما أمكن تقنيتي التكثيف والوحدة وغيرهما من التقنيات الخاصة بالقصة.
قراءة العنوان وبعض المشيرات:
ويشكل عنوان القصة عنوانا للمجموعة القصصية "دم ودخان" زيادة على كون القصة تمثل نموذجا من نماذج القصة السبعينيات بالمغرب. ويتشكل العنوان من اسمين يجمع بينهما واو العطف دلالة على حملهما نفس الوظيفة التركيبية والدلالية. فالاشتراك بينهما تم على مستوى جنس الكلمة والحركة الإعرابية كما تم على مستوى الدلالة. ذلك أن العنوان زيادة على مؤشرات البداية " الكبد"+ شحم رقيق يدفعنا إلى استحضار جزء من الطقس الاحتفالي: الذبيحة والشواء إلا أن هذا الطقس سرعان ما ينمحي بمتابعة عناصر المتن الحكائي ليصير طقسا مأساويا متعلقا بيع الدم وما يخلفه في النفس من آلام. ومن مشيراته اللغوية: قطرات- زجاجة- داكنة- مستشفى-......... فكيف عير الكاتب عن هذه المأساة؟ وما الخصائص الفنية المميزة لهذا الجنس الأدبي انطلاقا من النص ؟
المتن القصصي:
تعلن القصة بدايتها منذ وقوف دحمان أمام مسطبة "المعلم علي" لشراء كيلو من "الكبد والشحم الرقيق" على غير عادته وقت الغذاء، وتجمع الأطفال حول الأم الحامل فرحين بالأكل اللذيذ. أما الأب فاتخذ لنفسه مكانا من زوايا البيت
راكنا إلى تعبه و أحزانه يجتر يومه بأحداثه . تذكر أول يوم تبرع فيه بالدم معتزا. أما اليوم فقد توجه للمستشفى تحت وطأة الواقع الاجتماعي والنفسي بعد أن اتفق مع أهل المريضة على بيع دمه مقابل دراهم. وتعرض للاستغلال المادي والمعنوي الأمر الذي دفعه إلى الإحساس بالاشمئزاز والإثم والخسة وازدياد المعاناة. وعجزه عن الخروج من شروده وتيهه وقلقه.
القوى الفاعلة وعلاقاتها ووظائفها:
تتأسس أحداث القصة حول شخصية دحمان باعتباره أحد القوى الفاعلة وهو نموذج من النماذج البشرية التي تصارع أعباء الحياة.و من خلاله قدم الكاتب صورة عن نموذج المواطن المغربي المقهور المتعب نفسيا الرافض لواقعه والمتمرد على حياته الفاقد للقدرة على الاحتجاج والمواجهة بسبب الفقر ،قلة ذات اليد ، وبفعل انعدام القيم الإنسانية لدى فئة من المجتمع. لقد بأر الكاتب الحالة الداخلية لدحمان ووضعه الاجتماعي. إن دحمان باعتباره اسم علم يحدد الشخصية المركزية فهو يتجانس مجانسة غير تامة مع عنوان القصة ذلك أن الدال والميم مكونان من مكونات الاسم: دم ثم حان وفعل حان يتعلق بالزمن كأن نقول حان وقت بيع الدم وفي مقابل حان يحضر الجناس غير التام بالتصحيف خان. فهل دحمان يخون نفسه وحياته ومجتمعه ببيع دمه: ألم يكذب على الطبيب بادعاء أنه من أهل المريضة ألم يكذب فيما يتعلق بالإفطار؟ وإذاكان الحزن والفقر هو الوسم المميز لدحمان فإن البشاشة والثراء وسم لواحد من أهل المريضة. ولعل ظروف العيش لدحمان هي التي كانت وراء حتمية بنائه علاقات مع قوى فاعلة أخرى مبنية بالدرجة الأولى على التقابل. وتتمثل هذه العلاقات والوظائف في :
*علاقة الرغبة بين الفاعل دحمان و الموضوع لقمة العيش
*علاقة التواصل بين المرسل: العطالة/ الحاجة/ الوحم و المرسل إليه: إشباع حاجة الأسرة/ الحزن
*علاقة الصراع بين المساعد ( الاستغلال) و الدم والمعارض نفسية دحمان.
أبعاد القصة:
وبناءا على كل هذا يبدو موقف الشجب والتنديد والرفض لقيم الظلم الاجتماعي والاستغلال وما يتعلق بها من القيم السلبية من زبونية ووساطة.. فإذا كان المستشفى قد وضع أصلا لتقديم عوامل الحياة والبقاء فإنه صار عاملا مساعدا لنسف دماء المقهورين وأداة داعمة للاستغلال البشري . ومن جهة أخرى يستهجن الكاتب الروح الاستسلامية ، الانهزامية لهذه الفئة المقهورة. القانعة بحياة الذل دون أن تجرأ على تغييرها وجهلها وبؤسها. وإذا كان الزواج حاجة طبيعية واجتماعية وواجبات ومسؤوليات مادية وأن وضع دحمان بئيس فإن مسؤولية الزواج شكلت مقصلة على رقبته ألم يفرض عليه الواقع توفير مستلزمات البقاء علما أن زوجته حبلى وفي قمة الاشتهاء/الوحم وربما عدم وجوده لعمل ما حتم عليه بيع دمه.
البناء القصصي
وبحسب ترتيب المحكيمرت يومية دحمان بلحظات: لحظة شرائه للكبد على غير عادته وهو متعب وقلق- لحظة استغراقه في كل ما يتعلق ببيع دمه والاستفادة من النقود- ولحظة عيش دحمان حاضره بحركة من زوجته حين قدمت له الكبد المشوي ليعود من جديد إلى الاستغراق في تأملاته كنتيجة للمثير كثافة الدخان الداكن المعادل لدمه الداكن في القارورة. وتأسيسا على هذه اللحظات الثلاث نلاحظ انعدام التوازن فيها سواءا في وضعية الاستهلال( التعب والقلق والعجز عن الكلام) وهو استهلال ديناميكي رغم أن اللحظة الأولى تبدو ظاهريا يطبعها (شراء ما يشبع الجوع والوحم) والوضعية الثانية يمكن أن نسميها لحظة البحث عن التوازن ببيع دحمان لدمه إلا أن الاستغراق في النظر إلى زجاجة الدم هو مظهر من مظاهر التعبير عن عدم الرضا باعتبار أن هذا الحل هو الطريق إلى الموت. أما وضعية النهاية فهي لم تجسد النهاية السعيدة رغم الطقس الاحتفالي للأكل فلقد ظل دحمان شاردا متأملا حياته من خلال الدخان الكثيف. وعليه نقول بأن خاتمة القصة هي خاتمة عقلية فلسفية.. إن اللحظات الثلاثة تكون مشهدا التقطه الكاتب من حياة المواطن المقهور الذي يعيش في مجتمع طبقي استغلالي تنعدم فيه القيم الإنسانية والتوزيع العادل للخيرات.
البنية الزمانية والمكانية
ويحضر في النص زمنان: زمن القصة كواقعة وزمن الخطاب. الأول يغطي جزءا من يوم دحمان تقريبا وقد كثف الكاتب المدة الزمنية بفعل السرد . إلا أن الزمن قد يطول كلما تعلق الأمر بتبئير الحدث: بيع الدم أو الشعور


الداخلي للشخصية (الاستغراقات) ووضعه الاجتماعي.أما الزمن الثاني فيظهر في التتابع الخطي للأحداث فيأخذ شكلا فيزيائيا: طول العهد بها- فترة -الغذاء-سنوات- الأيام الأولى- منذ مدة- منذ أكادير- الصباح- أو شكلا نفسيا داخليا. ويتمثل هذا الزمن النفسي حين يعيش دحمان لحظات لايحس بها إلا هو(في المستشفى وفي البيت وفي الشارع).
وقد راهن الكاتب على هذا الزمن بغية الكشف عن توتر الشخصية وقلقها الدائم. إن زمن القصة يفارق زمن الخطاب. لقد عمل زمن الخطاب على تكسير التراتبية المنطقية لزمن الحكاية. وتتميز القصة بحضور المكان كمظهر من مظاهر الواقعية واختار الكاتب البيت والمستشفى والدكان فضاءين لبناء الحدث. أما الدكان والشارع فهي أمكنة عابرة. وإذا كان بيت دحمان موسوم بالخصوصية وانسداد الآفاق فإن المستشفى بجماليته وتركيبته وأناسه عالم مشروط ولوجه.
تحديد الرؤية السردية المهيمنة:
وواضح أن الكاتب أسند السرد لسارد كلي المعرفة يتعقب الشخصية المحورية ويرافقها بضمير الغائب مستندا إلى الرؤية من خلف: كان بوده لو ملك قدرة على الكلام في هذه اللحظة- وفي الإغماض لم تمتنع الرؤية-.....
البنية الأسلوبية القصصية
اعتمد الكاتب بالدرجة الأولى على السرد والحوار بنوعيه الخارجي والداخلي. وتأرجحت لغة القصة بين الفصحى البسيطة وبعض الألفاظ المحكية من العامية المغربية. ويعود هذا اللجوء إلى اللغة المحكية لكون القصة القصيرة تتعالق بالحكايات الشعبية الشفوية من جهة وبالإيهام بواقعية الحدث زيادة على كون نموذج البطل المأساوي كان يستمد من الفئات المقهورة اجتماعيا في فترة تاريخية. وداخل الفصحى يبدو الإيحاء فحين يقول مثلا: منذ أكادير نستحضر تاريخ الزلزال الذي ضرب أكادير وتبرع بدمه معتزا بوطنيته وإنسانيته .
الخاتمة والحكم النهائي:
وختاما إن هذه القصة تناولت الحياة البسيطة لدحمان لإبراز مظاهر البؤس وآثاره وتجليات الاستغلال والابتزاز والروح الانهزامية. وعبر الكاتب عن إدانته لإيقاف النزيف الاجتماعي متوسلا بلغة بسيطة وبناء محكم وبتقنيات قصصية تمنح للعمل الأدبي خصوصيته وتميزه. وتتمثل في وحدة الشخصية المركزية ووحدث الحدث الزمان والمكان والتكثيف والإيحاء.



التعليقات

  1. نعيمة علق :

    شكرا شكرا على كل هذه المساعدات

  2. محسن علق :

    شكراً جزيلا على كل هده المعلومات

  3. كوثر علق :

    السلام عليكم و رحمة الاه وبركاته شكر على هده المعلومات

  4. وردة علق :

    شكر وتقدير الى هذه المعلومات القيمة و الثمينة

  5. نهيلة كرومي علق :

    سلام عليكم ورحمة الله وبركاته شكراً جزيلاً على معلومات المهمة

  6. yassin bouchlou علق :

    walllla rrrrrrrrrrrrrrraw3a

  7. abdeljaliil علق :

    السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته اولا اشكر الاستاذ على كل هذه المجهودات و اود ان اطلب طريقة او منهجية لتلخيص الكتب ( قضايا الشعر المعاصر لنازك الملائكة ) و ذلك في اقرب وقت اذا كان في الامكان و شكرااا

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل