سوسيولوجية القصة القصير" نجيب محفوظ نموذجا"

إن التحولات التي اعترت البنى العامة للمجتمع قد صاحبها تحول معين في القيم، جعل الفرد والجماعة يفقدان الاتزان بصورة معينة، نظرا لأن معالم الاتجاه الجديد لم تتحدد بكيفية واضحة في البناء الذهني للكاتب وعلى هذا الاساس نستطيع أن نعلل انعزال فريق من المثقفين بعد التحولات التي اعترت المجتمع المصري 1952، ونستطيع أن نعلل ايضا موقف نجيب محفوظ حين توقف عن الكتابة لعدة سنوات إلى حين استطاع تكوين نصور معين عن طبيعة هذه التحولات واتجاهاتها، لتيكيف معها تاريخيا واخلاقيا، هذه التحولات التي طرأت على الواقع الخارجي اضطرت الكاتب إلى أن يجري نوعا معينا من التغيير في بعض عناصر بنائه النفسي جعله يرى العالم من منظور معين.
إذا القينا نظرة على مجمل الاثار القصصية لمحفوظ نلاحظ أن كتابة الاولى (همس الجفون، ودنيا الله) وكتاباته الثانية ( تحت المظلة، أو خمارة القط الاسود مثلا) لا تحمل اختلافا في المضمون فحسبن بل غن هذا الاختلاف يشمل الشكل ايضا فاغلب كتاباته الاولى تعبر عن ازمة الفرد في لحظات مواجهته للعالم، أما كتاباته الثانية فتعبر عن رؤية للعالم تتعلق بفئة معينة تواجه من انماط التصدع في قيمها، وفي إيديولوجيتها، نتيجة لتحولات اجتماعية وتاريخية معينة.
والآثار الأولى يتميز بناؤها بالواقعية الاجتماعية، فطريقة السرد، وتصوير الشخصيات يترابطان مع الواقع الخارجي، في حين يبدوان في الآثار الثانية وكأنهما مقطوعا الصلة بهذا الواقع، أو بعبارة أخرى هناك تحول في البناء القصصي من الواقعية إلى الرمزية والعبث.
وفي أواخر الستينات كتب محفوظ " تحت المظلة" وهي أور قصصي عن الإحساس يعبث الوجود الإنساني... وقد شاع هذا الإحساس في اغلب آثاره القصصية، وبوجه خاص في " خمارة القط الأسود" وفي " شهر العسل" وفي "الجريمة" فالشخصيات تواجه مواقف غير انسانية، حافلة بالرعب والتهديد والمطاردة، ووعيها لا يظهر إلا في لحظات نادرة، والسرد موجه نحو الواقع الداخلي، وزمن الأفعال موجه نحو خدمة هذا العرض، والإحداث أحيانا ما تتوالى دون تسلسل، على نحو يجعلنا نرى أن العبث أصبح موضوعا ملحا على شعور الكاتب، جعله يكشف قيما جمالية معينة تتفق وطبيعة هذا الشعور، فالتغيير الذي اعترى عناصر المجال الاجتماعي ترتب عليه تغير مماثل في بعض عناصر المجال النفسي، يمكن ان يعد تخيله عن الواقعية الاجتماعية، وتخيله عن معالجة إطاره الفني المعتاد (الرواية) مظهرا من مظاهر، فالبناء النفسي والمذهبي للكاتب أصبح يتفق مع خصائص الإطار الفني القصي، وبخاصة الأقصوصة التي تصبح قصة النمودج المثالي للتعبير عن نظرته إل العالم في هذه المرحلة.
ويمكن أن نستخلص من هذه الظاهرة الأدبية عدة دلالات مهمة، أهمها أزمة الفرد المثقف والجماعة التي ينتمي إليها، برؤية العالم التي استبطناها من بينة الأثر القصصي، كتدهور الوضع الإنساني، والإحساس بالاغتراب والعبث، وهي الإحساس الذي كان شائعا عند أغلب الفئة المثقفة، التي تنتمي إلى جماعية البورجوازية الصغيرة.

تحليل الدّراسة الأدبية:



تعددت زوايا النظر إلى النص الأدبي تبعا لتعدد المناهج النقدية المفسرة للظاهرة الأدبية، وإذا كان المنهج البنيوي قد ركز في مقاربته للنصوص على الداخل وعزل النص عن شروط إنتاجه ، فإن المنهج الاجتماعي ركز في تفسيره للأدب على ظروف إنتاجه الخارجية وربطه بسياقه الذي فرزه، ويعد المنهج الاجتماعي من مناهج التفسير التي تربط النص الأدبي بشروط إنتاجه الاجتماعية ،ويقوم على مقولات أهمها :الانعكاس ،والالتزام ورؤية العالم، والبنية الذهنية، وقد ظهر أول مرة في العالم العربي بداية القرن العشرين نتيجة المثاقفة والترجمة وكذا الحاجة إلى نقد جديد بعيد عن الانطباعية والأحكام الغيبية،ومن أهم رواده نذكر: محمود أمين العالم،ونجيب العوفي، وحسين مروة،ومحمد بنيس،وحميد لحمداني،وصاحب النص سمير حجازي الذي يعد من الكتاب المصريين الذين برعوا في توظيف المنهج الاجتماعي في تفسيرهم للأدب،فما القضية النقدية المطروحة؟ وما المنهج الموظف؟
من خلال الملاحظة البصرية نلفي العنوان قد جاء جملة اسمية خبرها متنُ النّص، ودلاليا ونفهم من العنوان أن الكاتب سيحاول تبيان علاقة قصص نجيب محفوظ بالواقع السوسيولوجي المصريّ. فإلى أي حدّ يعكس العنوان مضمون النص؟
ومن خلال دراسة العنوان والوقوف على بعض المشيرات النصية الدالة من قبيل: " التحولات التي اعترت البنى العامة للمجتمع المصري،البناء الذهني،أزمة الفرد، الكتابات الأولى، رؤية العالم،عبث الوجود الإنساني..." نفترض أن النص الذي بين أيدينا دراسة أدبية تتناول قضية أدبية تتمثل في تبيان أثر التحولات الاجتماعية في مصر بعد 1952م على جنس القصة القصيرة، وتحديدا عند نجيب محفوظ،وذلك من خلال توظيف المنهج الاجتماعي. فإلى أي حد تصح هذه الفرضية؟ وما طرائق العرض المعتمدة؟ كيف وظّف النّاقد المنهج الاجتماعيّ؟
عالج الكاتب في نصّه قضيّة أدبية اجتماعيّة، تمحورت حول تفسير التحولات التي طرأت على إبداع القصة القصيرة في مصر نتيجة التحولات التي اعترت المجتمع المصري في مختلف بنياته، حيث بدأ نصه بالإشارة إلى ما عرفه المجتمع المصري من تحولات بعد 1952م، وأثرها في المثقفين الذين اعزلوا وتوقفوا عن الكتابة وعلى رأسهم نجيب محفوظ، الذي ابتعد عن الكتابة حتى تتضح له الرؤية، وبعد رصد التحولات وأثرها ينتقل إلى جوهر الدراسة ليحاول بيان تأثر إبداعات نجيب محفوظ القصصية بما طرأ من تحولات مقارنا بين مرحلة ما قبل 1952م ومرحلة ما بعد 1952م، مستنتجا أن الكتابات الأولى يمكن إدراجها ضمن مرحلة الواقعية الاجتماعية، أما الثانية فتصنف ضمن مرحلة الرمزية والعبثية، وينتقل بعد ذلك إلى دراسة قصص كل مرحلة دراسة داخلية مستنتجا تأثرها بالواقع الاجتماعي في كل مرحلة،ويخلص الكاتب في النهاية إلى أن الظاهرة الأدبية (القصة القصيرة هنا ) عبرت عن أزمة الفرد وعكست رؤية العالم وعبثية الوجود الإنساني في تلك المرحلة ،ما يعني تأثر قصص نجيب محفوظ بالظروف الخارجية وسياق إنتاجها.
← نستنتج مما سبق أن الكاتب يحاول أن يفسر ظاهرة القصة القصيرة عند نجيب محفوظ من منظور اجتماعي صرف ، وذلك ببيان أثر التحولات التي عرفها المجتمع المصري على إبداع القصة القصيرة.

وقد اعتمد الكاتب في معالجته لقضية النص على خطوتين نبينهما فيما يلي:
-إبراز التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المصري في مختلف بنياته وأثرها على المثقفين وخاصة نجيب محفوظ؛
-دراسة قصص نجيب محفوظ شكلا ومضمونا سواء التي أنتجها قبل 1952م أو التي كتبها بعد 1952م ،وذلك ببيان التأثر بالواقع الاجتماعي الذي انعكس على القصة التي عبرت عن رؤية العالم ،وأزمة الفرد المثقف، و عبث الوجود الإنساني.
وقد أسعفته هذه الخطوات في مقاربة قضيته مقاربة مبنية على التدرج الزمني، مما سهل الفهم وضمن للنص التماسك والتسلسل.
ومرّ الكاتب في تفسيره لتطور قصص نجيب محفوظ بمرحلتين هما : 
-مرحلة الفهم: درس من خلالها قصص نجيب محفوظ شكليا، من خلال التطرق إلى شخصياتها وطريقة تسلسل الأحداث، وكذا الزمان والمكان؛
مرحلة التفسير: استنتاج تعبير قصص نجيب محفوظ عن التغيّرات التي طرأت على المجتمع المصري، الذي ساده العبثُ والضّياع.
وفيما يخص طرائق العرض المعتمدة اتكأ الكاتب على سيرورة حجاجية وظف فيها الأسلوب الاستنباطي ؛حيث انتقل من العام والكليات إلى الخاص والجزئيات ،وهكذا انتقل من بيان التحولات التي عرفها المجتمع المصري إلى تبين أثرها على إبداع القصة القصيرة عند نجيب محفوظ ،مستنتجا في النهاية رؤية العالم التي عبرت عنها هذه القصة،ويفيد الأسلوب الاستنباطي في بناء الفكرة بناء متدرجا و إيضاح الفكرة من خلال البدء بالعام ثم الانتقال إلى التفصيل ، وإضافة على الأسلوب الاستنباطي عمل الكاتب على التمثيل بعناوين القصص التي درسها (تحت المظلة،خمارة القط السود...) ولعل ذلك رغبة في تعزيز موقفه، وحتى لا يظن القارئ بأن ما وصل إليه الكاتب مجرد استنتاجات من وحي خياله بل هي مبنية على دراسة لهذه القصص، وسعيا إلى التفسير والبيان والإيضاح وظف الكاتب جملة من أساليب التفسير وعلى رأسها التعريف في قوله:"..وهي أول أثر قصصي عن الإحساس بعبث الوجود الإنساني"، والوصف الذي يتبدّى في وصفه لمجمل التحولات التي عرفها المجتمع المصري ، ووصفه لآثار نجيب محفوظ القصصية شكلا ومضمونا، ويمكن أن نرصد بعض مواطن الوصف فيما يلي:"يكشف قيما جمالية معينة تتفق وطبيعة هذا الشعور..." ونجد كذلك السرد الذي يهيمن على النص من ألفه إلى يائه، وقد وظفه صاحب النص تارة للإخبار وأخرى للتفسير وثالثة للإقناع ومن نماذجه:"إن التحولات التي اعترت البنى العامة...". وعلاوة على ما سبق نلفي أسلوب التشابه، حيث تتشابه قصص المرحلة الأولي في طريقة السرد وتصوير الشخصيات ،وتعبيرها عن أزمة الفرد. ولا شك أن مجمل هذه الأساليب إضافة إلى الجمل الطويلة أسهمت إلى حد بعيد في جعل الفكرة واضحة لا تشوبها شائبة غموض .
وفيما يخص الجانب الحجاجي وظف الكاتب كما لا بأس به من الحجج التي ساعدته على تفسير وجهة نظره والدفاع عنها ومحاولة إقناع القارئ بما يذهب إليه،وهكذا نجد الحجج التاريخية في إشارته إلى الفترة التاريخية التي عرف فيها المجتمع المصري تحولات عميقة في سائر النواحي، والحجج الاجتماعية ونجدها في إشارته إلى التحولات الاجتماعية التي اعترت المجتمع ، كما نجد حججا نفسية تتمثل أساسا في قوله:" أول أثر قصصي عن الإحساس بعبث الوجود الإنساني – أزمة الفرد-الإحساس بالاغتراب والعبث" ونجد كذلك حضورا للحجج الأدبية في حديثه عن السرد والتصوير والشخصيات، " وعموما أدت الحجج السابقة وغيرها دورا فعالا في إيضاح القضية المطروحة وإكسابها حجية لدى المتلقي.
وسعيا منه إلى ضمان قدر من الاتساق والتلاحم لنصه وظف الكاتب قدرا مهما من الروابط سواء بين الجمل أو الفقرات مثل:" الواو ،الفاء،إذا" وإلى جانب الربط نجد الإحالة بنوعيها : الداخلية التي تمت بالضمائر( يتميز بناؤها)، وأسماء الإشارة(شاع هذا الإحساس)، والسماء الموصولة (فالتغير الذي اعترى...) ، وكذا الخارجية حيث يحيل الكاتب على نجيب محفوظ والواقع الاجتماعي وعناوين القصص والمجال النفسي، ناهيك عن الترابط الدلالي بين مكونات النص وفقراته، الذي تم تارة بالإضافة(والآثار الأولي) والشرط (إذا ألقينا نظرة) ،ولا شك أن تضافر كل هذه الأمور أعطى للنص اتساقا بديعا وتلاحما متماسكا وهو ما يسر عملية الفهم والتأويل .
وإذا كان النص قد ضمن قدرا من الاتساق، فإنه جاء مفهوما قابلا للتأويل، ويتمّ ذلك بإعمال مجموعة من المبادئ؛ كالسياق ( ظهور المنهج الاجتماعي)، ومبدأ التأويل الحالّي(دراسة قصص نجيب محفوظ في ضوء المنهج الاجتماعي ونفي ما عداه)، والتشابه(تشابه هذا النص مع نص "سوسيولوجية القصيدة العربية لنجيب العوفي)، هذا إضافة إلى بعض عمليات الانسجام التي يمكن أن يقوم بها القارئ لفهم جيد للنص، من ذلك عملية الإطار (تطبيق المنهج الاجتماعي في دراسة قصص محفوظ)، وعملية السيناريوهات(افتراض دراسة قصص نجيب محفوظ دارسة اجتماعية ، وذلك من خلال عنوان النص)، ومن خلال هذه العمليات والمبادئ يتحصّل الفهم الجيد للنص.
عمل الكاتب في نصه على بيان أثر التحولات التي عرفها المجتمع المصري على جنس القصة القصيرة ،واختار قصص نجيب محفوظا مجالا للدراسة ،حيث وضح أنها كانت متأثرة بالتحولات العميقة التي عرفتها مصر بعد ثورة 1952م، وانعكست موجة العبث على طريقة السرد وتصوير الشخوص ، ولبيان ذلك ومناقشته وظف معجما متنوعا وإطارا مرجعيا متعدد المصادر وخطوات مضبوطة ،كما استعان بأساليب التفسير والأسلوب الاستنباطي ،كما اختار الحجج المناسبة لتدعيم رأيه وتعزيز موقفه، ولعل المقصدية التي سعى إليها تمثلت أساسا في "إبراز قدرة المنهج الاجتماعي على تفسير ظاهرة القصة القصيرة من خلال ربطها بظروفها الخارجية"، وختاما نصل إلى إثبات صحة الفرضية وانتماء النص إلى مجال الدراسة النقدية الموظفة للمنهج الاجتماعي، و زبدة القول وفق الكاتب سمير حجازي في توظيف المنهج الاجتماعي وتفسيره لظاهرة القصة القصيرة عند نجيب محفوظ.فهل كان النجاح حليفه في دراساته الأخرى؟
سعيد بكور



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل